محمود أبو رية
40
شيخ المضيرة أبو هريرة
فإذا ما انتهى إلى مسمعه أن نبيا ظهر بمكة بدين يدعو إلى مساعدة البائسين ، وسد عوز المحتاجين ، فإنه ولا ريب يغتبط بذلك ويشرق قلبه فرحا ! وإذا ما بلغه كذلك أنه بعد أن هاجر إلى المدينة قد أصبح مأوى المجاويع ، وأنه قد جعل للفقراء الذين يقصدون المدينة مكانا خاصا يؤون إليه ، يطمعهم فيه ويسقيهم ( ! ) فإن نفسه تشرئب ولا جرم إلى ذلك ، ويتمنى لو يضمه هذا المأوى ليطعم فيه ، ويكفي مشقة خدمة الناس ، وما يلقى في سبيل ذلك من نصب ؟ وإذا علم غير هذا وذاك ، أنه قد جعل للفقراء والمساكين نصيبا في مغانم الحرب وأنه ( صلوات الله عليه ) قد اتخذ له موالي وخدما ( 2 ) . . إذا ما انتهى إليه كل ذلك وغيره فترى ماذا يكون أمره ؟ إنه ولا شك يطير فرحا ، ويهيم سرورا ، وتشتد به الرغبة ، ويستبد به الطمع ، وتلح عليه الحاجة ، في أن يهرع إلى صاحب هذا الدين ليعيش في كنفه ، ويستظل بظله . هذا أمر لا شك فيه ، والجبلة الانسانية تميل إليه وتبعث عليه " ولكن أنى له بلوغ ذلك ، وكيف السبيل إليه وهو يسمع فيما يسمع كذلك أن الناس يحاربون هذا النبي وأصحابه ، وأن النضال المسلح متصل بينهم وبينه لا ينقطع - وهو بطبعه يريدها سهلة غير ذات شوكة ، لأنه ليس من أبطال الحروب ، ولا عهد له بميادين القتال ، وأنه لم يخلق إلا ليخدم ويطعم من أجر خدمته ! تلقاء ذلك لم يجد مناصا من أن يصبر على مضض وأن يرتقب حتى تسكن غمغمة الحرب بين النبي وأعدائه ، ويرى لمن تكون الغلبة ، شأنه في ذلك شأن غيره في ذلك العهد ممن على شاكلته . وهم الذين كانوا يقولون في أنفسهم " دعوه وقومه فإن غلبهم دخلنا في دينه . وإن غلبوه كفونا شره " . وظل أبو هريرة يرتقب حتى فتح الله على نبيه ورسخت قواعد الدين .
--> ( 1 ) هو المكان المعروف بالصفة . ( 2 ) انظر في ذلك أنساب الأشراف للبلاذري ص 467 تجد أسماء موالي النبي وخدمه .